عندما تفشل زها حديد

SOHO01

مبنى “سوهو المجرة” في بكين، من تصميم زها حديد Zaha Hadid’s Galaxy SOHO in Beijing

أرجو منكم قبل أن تقوموا بشتمي أو أن يتحمس أحدكم ليقوم باختراق موقعي ويكتب “مع تحيات أبوجعفر”، أن تعلموا أن هذه التدوينة في الأساس مقالة للمعماري البولندي “ميشال جورجيلويزتش” الذي يعمل في شركة “آيكوم” في العاصمة الصينية بكين، ولكن ما يجعلكم أن تحقدوا على شخصي هو أنني أتفق فيما يقول “ميشال”، ولولا اتفاقي معه لما كتبت هذه التدوينة، وملاحظة أنني أضفت على المقالة بعض المعلومات لتقوم بتوضيح الصورة بشكل أكبر.

فكما يبدو أن المعمارية “زها حديد” أصبحت كنجمة خارقة وعلامة بارزة في المجتمع المعماري، ولها مؤيدين متعصبين بشكل كبيرة، وهناك العديد ممن يحاول أن يحذوا حذوها، فشعبية “زها حديد” دائمة ومستمرة ومتصاعدة بلا توقف، فهي دائماً ما يكون اسمها متواجد في أي جائزة معمارية ووجودها مهيمن على وسائل الإعلام، حتى أن مبانيها أصبح لها قيمة حضرية وجاذبة  للمناطق الموجودة لها، فهي لا تجذب الجمهور المتذوق للعمارة والمطورين العقاريين فقط، بل أيضا جاذبة للإعلام والسياح العاديين.

زها حديد تعتبر مثال يحتذى به في كيفية ملء الفراغ الموجود حاليا في المجتمع المعماري ونظرتها المستقبلية للبيئة المعمارية والعمرانية يُنظر إليها من الغالبية بصورة جدية، وما يعزّز كلامي هذا هو ترشحها حديثا من الهيئة الملكية البريطانية للمعماريين (ريبا) لـ”جائزة لوبيتيكن” المرموقة عن عام 2013، وذلك عن تصميمها لمبنى “سوهو المجرة” في مدينة بكين الصينية، وهذه الجائزة تمنح للمعماريين الذين لهم دور قيادي في تقديم أفكار بصرية للقضايا العمرانية.

ترشح لجائزة لوبتكن البريطانية في عام 2013 ثلاثة مشاريع، منها مشروع زها حديد وهو سوهو المجرة، ومشروع فيا فيردي للمعماري جريمشاو، أما الفائز فهو مشروع حدائق الشاطئ للمعماري ويلكينسون آيري

كلمات الهيئة الملكية البريطانية للمعماريين (ريبا) لوصف أعمالها ومساهماتها لعالم العمارة كانت غاية في الدقة، ومع ذلك فإن عند قراءتك لهذا الوصف من منظور أوسع ستجد أن الأمر له معنى مخالف تماماً، ويجعل من مبنى “سوهو المجرة” مثال ممتاز للوضع الحالي للعمارة.

منذ يوم الافتتاح لـ”سوهو المجرة” في 27 أكتوبر من العام 2012، وهذا المبنى فارغ بصورة شبه دائمة، وسعر المتر لأرض المبنى يرتفع ارتفاعاً مستمراً، وفي المقابل اهتمام المستثمرين به يقل أكثر وأكثر. وهناك إشاعات أن شركة التطوير الصينية سوهو SOHO تنتظر بيع المبنى التجاري بمجرد حصولها على سعر جيد يغطي بعض من خسارتها. بالإضافة لذلك فإنه وفقاً لأحد المستثمرين في القطاع الخاص والذي كان مهتماً بشراء مكاتب في المبنى، يقول أن “الأسعار الحالية للمتر المربع في المبنى -مع مراعاة الهبوط الحاد في سوق العقارات- مرتفعة جداّ، وإن الاستثمار في هذا المكان لن يعود بالربح على مالكه إلا بعد مرور عشر سنوات كحد أدنى!”، الأمر الذي يجعل المبنى ليس في خطط المستثمرين على الإطلاق.

يضاف على ذلك أن فراغات المكاتب مُنتقدة بأنها ليست مرنة إطلاقاَ (أي ليست قابلة للتعديل) ومظلمة جداً. كما أن المبنى مُطل على الطريق الدائري الثاني للعاصمة بكين وهو من أكثر المناطق تلوثاُ في العاصمة، ومعظم هذا التلوث ناتج عن “سوهو المجرة” بسبب متطلبات إضاءة المبنى ونسبة الزجاج الكبيرة على واجهته مع فراغه المستمر من المستخدمين مما يزيد من كمية الإشعاع الصادر منه على المحيط الخاص به، والذي ليس من المتوقع أن يختفي في المستقبل القريب.

مشروع سوهو المجرة سبب في التلوث للبيئة المحيطة، وهو فارغ تماماً ودائم الظلمة، وسعر المتر لأرضه وصلت لأرقام فلكية، مما جعله يخرج من تفكير المستثمرين في الوقت الحالي أو مستقبلاً

عند تقديم المبنى كان قد وُصف أن مسقطه مفتوح من الداخل داعياً العامة لاستكشاف ساحته الداخلية من أجل أن يمشوا ويمارسوا الرياضة وأداء نشاطاتهم اليومية، ولكن إعتبارك أنّ هذه الفكرة عظيمة هو أمر مستغرب إن لم يكن خاطئاً كلياً، فالشعب الصيني معتاد على قضاء معظم أوقات فراغه ورفاهيته في الخارج، فييذهبوا للشوارع والساحات والمساحات المفتوحة والمجمعات التجارية، وإلى جميع العناصر المعمارية التي تمكنهم من أداء نشاطاتهم الشخصية، وهي معلومة ستدركها مباشرة بمجرد زيارتك للعاصمة الصينية.

صورة توضح تعاسة المبنى منا الداخل وفراغه

صورة توضح تعاسة المبنى منا الداخل وفراغه، لا أعتقد أنك ستجد هذه الصورة الواقعية بسهولة في إعلامنا الحالي

برأيي أن افتراض البعض أن “زها حديد” تقودنا للمستقبل، هو أمر عبّر عنه الرسّام “بييتر بروجيل الأكبر” في لوحته المعنونة ب”كفيف يقود كفيف“! ففي اللوحة أربع كفيفين يقود بعضهم البعض، ويمكن لنا عكس اللوحة على ما يحدث هنا، ففي المقدمة النجم الأول، يقود المعماريين، يقودوا الطلاب، ليقودوا الإعلام والنقاد والمفكرين. فبدلاً من أن نعمل معاً وتكون توجهاتنا مبنية على آراء الجميع، فإن كل ما نفكر به هو رغبتنا ونرجسيتنا في أن نصبح أنا الرمز وأنا العلامة وأنا النجم.

الواقع الآن هو ليس أكثر من تكرار أنماط عصرية وصناعة المزيد من المباني والفراغات الغير متصلة بالواقع، فكل ما يقدم لنا هو مجموعة من الصور الرائعة والكلام المعسول والمصطلحات الضخمة. يضاف عليها دور الإعلام السلبي، فهو يفترض به أن يكون منصة للمعماريين المعاصرين يصف الواقع المعماري، ولكن للأسف الإعلام وضع قوانينه الخاصة، والتي يتبعها المعماريون باللجوء للصور والأشكال الجاذبة من أجل إرضاء البصر، دون الالتفات لأمر آخر. تبني هذا التوجه يؤدي لتكرار ونسخ للإنجازات المعمارية من مباني وتقنيات وأنظمة، العمارة المعاصر مبنية الآن على المظاهر وتدفع المصممين لنسخ النجاحات الحاصلة والسعي للفت انتباه وصنع العلامة التجارية الخاصة به.

من المشاريع الجميلة البشعة الأخرى هي مثال آخر لأحد أعمال “زها حديد” من سلسلة أعمالها لشركة “سوهو” في العاصمة بكين، وهو مبنى “وانجينج سوهو”، وهو تحت الإنشاء حالياً، وأصبح الآن شديد الشعبية لدرجة أنه أصبح لديه نسخته المقلدة الخاصة وهو مبنى “ميكوان القرن الثاني والعشرين” في المدينة الصينية “شونجوينج”! والمضحك أنه من الممكن لهذا المبنى أن يكتمل قبل النسخة الأصلية منه. وإن قمت بعمل بحث عن المبنيين فلن تستطيع معرفة من المصمم لمبنى “ميكوان”! وكل ما ستجده هي أخبار عن تقليد مصمم ما لتصميم “زها جديد” الأصلي.

سأكرر تلك النقطة وأوضحها أكثر (ركزوا معاي يا اخوان)، “زها حديد” قامت بتصميم مبنى آخر لشركة “سوهو” يدعى “وانجينج سوهو” (صورة المبنى عاليسار)، ويوجد مبنى آخر اسمه “ميكوان القرن الثاني والعشرين” (صورة المبنى عاليمين)، المبنيان هم نسخة طبق الأصل لبعضهما البعض، وبما أن “زها حديد” هي النجم فالجميع افترض أن تصميمها هو الأصل، على الرغم من أن مبنى ميكوان سيتم الإنتهاء من أعماله قبل مبنى وانجينج! لذلك سأترك لكم الحكم في أياً من هذين المبنيين هو الأصل وأيهما النسخة. ولكن النقطة الهامة هنا هو كلاهما مستوحى وبصورة رهيبة من مبنانا الأول الذي فشل أصلا وهو “سوهو المجرة”!

SOHO03

مبنى زها حديد “وانجينج سوهو” في الصورة اليسرى، مبنى “ميكوان القرن الثاني والعشرين” في الصورة البمنى

مشروع “ميكوان القرن الثاني والعشرين” (أو النسخة!) في الحقيقية هو مثال على الوحش الذي يصنعه الإعلام المعماري الشعبي، والذي تعود أصول نشئته لعام 1961 عندما صدرت صحيفة “عمارة الآرشيجرام” الأولى. فتلك اللحظة كانت ولادة للإعلام المعماري السائد حاليا، اللحظة البارزة الأولى لهذا الاتجاه المضلل صنعت من “هيرمان هيرتزبيرجر” وذلك خلال محاضراته في الجامعة الهولندية “دلفت للتكنولوجيا” في عام 1973، وتم نشر تلك المحاضرات بعد ثمانية عشر عاماً تحت عنوان “دروس لطلاب العمارة“.

يمكننا القول أن كل المواصفات موجودة في سوهو المجرة لتجعل منه النموذج المعماري للعمارة المعاصرة، فالمكونات الرئيسية موجودة به، هي المعماري أو النجم الخارق القادر على جذب مخيلة الطلاب والمعماريين، وترشح المشروع لجائزة معمارية مرموقة، المالك هو شركة عقارية عملاقة، مقالات ومنشورات لا نهائية في مواقع الانترنت والمجلات والصحف الورقية والرقمية، واجهة “جاذبة للتصوير ” تسمح للجميع بإلتقاط صور ولقطات جذابة ومميزة والتي تخفي داخلها مبنى فارغ، وأخيراً وصف فكرة المشروع وطريقة شرحها، وبالنسبة لكاتبين (المؤلفين) وصفوا هذا المبنى قائلين عنه أنه “سيغير ويصل تأثيره على الأقل لنصف المدينة، وليس للمباني المجاورة فقط” !!

زها حديد داخل مبنى سوهو المجرة في يوم افتتاحه

زها حديد داخل مبنى سوهو المجرة في يوم افتتاحه

وبالتالي فإن مبنى “سوهو المجرة” هو المرشح المثالي ليعبر عن واقع المهنة، هذا التفسير قد يبدو كما لو أنه وصف لحملة دعائية أو انتخابية ناجحة، أكثر من أنها خطاب فكري يسعى لتغيير العالم والإنسانية، ولكن الواضح أن العمارة المعاصرة حاليا انفصلت أو على الأقل ابتعدت عن الواقع. فقد أصبحت عبارة عن هلوسة جماعية، يشارك بها الإعلام والمستثمرين والمعماريين والطلاب وحتى النقاد استبدلوا المعلومات الواقعية والأفكار التصميمية، بالرموز والكلمات الرنانة الفارغة والأشكال التي ينتج عنها تفسيرات فارغة للأفكار والمشاريع، البيئات التي تنتج الآن تبقى صورية فقط والشروط والمعايير يتم اختيارها عشوائيا.

تم وصف المشروع في مراحل تصميمه على أنه سيغير ويصل تأثيره على الأقل لنصف المدينة (العاصمة بكين)، وليس للمباني المجاورة له فقط

الحالة الصينية التي لدينا هنا تسلط الضوء ومثال على الوضع المعماري حاليا، والتي تجذب المدن الكبرى والمحتوية على نفس الأفكار المتكررة، ولكن اختلف الحجم ليصبح عملاقا، مع العلم أنه في بعض الأحيان يحصل نقاش عن أن الغرب مختلف عن الصين، ولكن على الرغم من ذلك فلا يوجد تفكير برؤية جدية وجديدة، وبالنسبة لمعماريين العالم فإن الصين ما هي إلا منجم ذهب ومنطقة للعب.

وبما أنه لا يوجد الآن أي من المنظرين والمبصرين بين المهندسين المعماريين ليقوموا بتوعيتهم، فإن الوقت الذي يجب به أن نعيد تعريف العمارة ودورها الرئيسي هو الآن والآن فقط، ومع ذلك فإن “زها حديد” منطلقة وبدون توقف حتى أنها انتهت حديثا من مبنى عملاق جديد في مدينة “باكو” الأذريباجنية.

المصادر:

الموقع الخاص بالمقالة الرئيسية وهي بعنوان “مجرة سوهو لزها حديد والعودة من المستقبل”
Zaha Hadid’s Galaxy SOHO: Back from the Future

موقع ديزين

موقع الهيئة الملكية البريطانية للمعماريين

موقع إنهابيتات

زها حديد = Zaha Hadid
ميشال جورجيلويزتش = Michał Jurgielewicz
آيكوم = AECOM
مبنى سوهو المجرة = Galaxy SOHO
الهيئة الملكية البريطانية للمعماريين (ريبا) = Royal Institute of British Architects RIBA
جائزة لوبيتيكن = Lubetkin Prize
هيرمان هيرتزبيرجر = Herman Hertzberger
جامعة دلفت للتكنولوجيا = Delft University of Technology
عمارة الآرشيجرام = Archigram Newsletter
مبنى ميكوان القرن الثاني والعشرين = Meiquan 22nd Century
مبنى وانجينج سوهو = Wanjing SOHO
لوحة الرسم “كفيف يقود كفيف” = The Blind leading the Blind
بييتر بروجيل الأكبر = Pieter Brueghel the Elder

0 thoughts on “عندما تفشل زها حديد

  1. تماما كما لو كنت تكتب هذه المقالة أو تترجمها من خلال مايمليه عليك ذهني ! بتطابق تام .

    برغم تطور التقنية الداعمة للهندسة إلا أن الفجوة تتسع بين واقع تطبيقاته ومايؤمل منها : ” عِمارة الأرض ” .

    أصبحنا نعيش بين “كلادينج” وواجهات براقة دون الأخذ بالإعتبار أن تكون المواد مستمدة من البيئة المحيطة أو توافقها مع المظهر العام .

    هذا التغير “الهجين” لاينطبق على العمارة وحدها ، إذ تجده جليا في عموم الفنون والصناعة الحديثة : مركبات ، رسومات ،شِعر، إلخ
    الحداثة التي لاتأبه بالقاعدة بقدر ماتأبه بصف الكلمات الرنانة .

    شكرا ..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *